السيد محمد باقر الصدر

81

دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة الجزء الأول والثاني ( تراث الشهيد الصدر ج 7 )

غير قابلٍ للانطباق على الخارج ، وإنّما يؤخذ نحو اللحاظ قيداً لنفس العلقة الوضعية المجعولة للواضع ، فاستعمال الحرف في الابتداء حالة اللحاظ الاستقلاليّ استعمال في معنىً بلا وضع ؛ لأنّ وضعه له مقيّد بغير هذه الحالة ، لا استعمال في غير ما وضع له . والاتّجاه الثاني : ما ذهب إليه مشهور المحقّقين بعد صاحب الكفاية « 1 » ، من أنّ المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ متباينان ذاتاً ، وليس الفرق بينهما باختلاف كيفية اللحاظ فقط ، بل إنّ الاختلاف في كيفية اللحاظ ناتج عن الاختلاف الذاتي بين المعنيين ، على ما سيأتي توضيحه إن شاء اللَّه تعالى . أمّا الاتّجاه الأوّل فيرد عليه : أنّ البرهان قائم على التغاير السنخيّ والذاتيّ بين معاني الحروف ومعاني الأسماء ، وملخّصه : أنّه لا إشكال في أنّ الصورة الذهنية التي تدلّ عليها جملة ( سار زيد من البصرة إلى الكوفة ) مترابطة ، بمعنى أنّها تشتمل على معانٍ مرتبطةٍ بعضها ببعض ، فلابدّ من افتراض معانٍ رابطةٍ فيها لإيجاد الربط بين ( السير ) و ( زيد ) و ( البصرة ) و ( الكوفة ) . وهذه المعاني الرابطة إن كانت صفة الربط عرضيةً لها وطارئةً فلا بدّ أن تكون هذه الصفة مستمدّةً من غيرها ؛ لأنّ كلّ ما بالعَرَض ينتهي إلى ما بالذات ، وبهذا ننتهي إلى معانٍ يكون الربط ذاتياً لها ، وليس شيء من المعاني الاسميّة يكون الربط ذاتياً له ؛ لأنّ ما كان الربط ذاتياً ومقوّماً له - وبعبارةٍ أخرى عين حقيقته - يستحيل تصوّره مجرّداً عن طرفيه ؛ لأنّه مساوق لتجرّده عن الربط ، وهو خلف ذاتيّته له . وكلّ مفهومٍ اسميٍّ قابلٌ لأَنْ يُتصوّر بنفسه مجرّداً عن أيّ ضميمة ، وهذا

--> ( 1 ) أجود التقريرات 1 : 14 - 16 ، ومقالات الأصول 1 : 89 - 91 ، والمحاضرات 1 : 59 - 67 .